الاخبار: زكية الديراني الإثنين 30 آذار 2026
«نحن هنا على الحدود». بهذه العبارة كان الشهيد الراحل يفتتح ويختتم رسالته على قناة «المنار» من قلب الميدان في المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة. كان يستدير أمام الكاميرا ويوجه إصبعه نحو المعارك الدائرة في الخيام أو الطيبة أو عيتا الشعب، ويقدّم لقطات من جولته داخل البلدات التي تخوض معارك شرسة ليؤكد أن المقاومة باقية ومستمرة.
حفظ علي شعيب كلّ شبر وحي وشارع وشجرة زيتون في بلدات الجنوب. كيف لا وهو ابن الأرض، وكان دليل الصحافيين اللبنانيين والعرب والأجانب. فأي خبر يريدون التأكد منه، «احكِ الحاج علي بقلك»، وهنا كانت القصة تنتهي بكلمة من الشهيد بتأكيد أو نفي.
عميد الإعلاميين الحربيين
عميد الإعلاميين الحربيين كان أشبه بماكينة إعلامية كاملة بصوت مقاوم وكاميرا متواضعة متنقلة. كانت التقارير كلّها من الميدان في كفة، وتقارير الشهيد في كفة.
بدا ذلك واضحاً من افتخار العدو باستهداف الإعلامي الذي عرّى زيف سرديته وحربه النفسية لكن أيضاً توحّشه وإجرامه. وكان العدو قد وجّه عشرات التهديدات سابقاً إلى المراسل الحربي، قبل أن يستهدفه أول من أمس خلال تنقله بسيارة على طريق كفرحونة جزين (جنوب لبنان)، ما أدى إلى استشهاد شعيب، ومعه فريق قناة «الميادين» المراسلة فاطمة فتوني (1996-2026) وشقيقها المصور محمد.
مسيرة طويلة من التضحية والشجاعة
بدأ علي شعيب العمل في قناة «المنار» عام 1999، وتعرّض لإصابة في منطقة العديسة (جنوب لبنان) عام 2010. غطى حرب تحرير الجنوب عام 2000، وفي عام 2006 ارتفع صوته من الميدان، وفي حرب عام 2024 كان صوت المقاومين ومرسال الطمأنينة. تنقّل بين التغطيات الإعلامية في لبنان والعراق، وكان شاهداً على المعارك مع التكفيريين.
تنقّل بين التغطيات الإعلامية في لبنان والعراق، وكان شاهداً على المعارك مع التكفيريين
لم يهدأ صوت علي شعيب يوماً من جنوب لبنان، بل كان عالياً بقدر احتدام المعارك هناك. لم يخفِ مشاعر الحماسة لديه عندما كان يتنقل بين البلدات التي تشهد المعارك. ومع استشهاده، تناقل كثيرون فيديو له خلال سنوات التحرير، يوم وقف أمام عناصر من «جيش» العدو، قائلاً لأحدهم «ما تقرّب أكتر». ومن ثم أكمل تقريره الشهير قائلاً «هنا أقف تماماً على خط انسحاب العدو إلى مزارع شبعا، أتى الجنود الصهاينة لمنعنا. هذا الجندي لا يجرؤ على الاقتراب مني أكثر. أتجرأ على الوقوف هنا لأنّ هناك مظلة حماية».
فاطمة فتوني رمز الشجاعة والإنسانية
كانت فاطمة فتوني رفيقة الشهيد علي شعيب في طريق النضال الإعلامي. برز اسمها كواحدة من أهم المراسلات الحربيات في الحرب الأخيرة والحالية. انضمت الشهيدة إلى قناة «الميادين» عام 2020، وتنقلت بين العمل في المجال التحريري قبل أن تتولى مهمات الرسائل في جنوب لبنان. مع اندلاع حرب إسناد غزة، برز اسم فاطمة كمراسلة جنوبية أباً عن جد.
جمعت فتوني في موهبتها بين الحس الإنساني لمساعدة النازحين وبين عملها كمراسلة ميدانية. ابنة الثلاثين عاماً، نعت مع اندلاع الحرب الحالية عدداً من أفراد عائلتها الذين استشهدوا خلال القصف على منطقة الطيبة (جنوب لبنان). وقبل أيام ودعت جدتها التي أصيبت في تلك الغارة والتحقت بعائلتها. عززت علاقتها في الجنوب، بحكم أنها أيضاً ابنة الأرض ومثال لابنة الجنوب الذي روي بالدم.
كانت تركز على المعارك الدائرة في منطقة الطيبة، وتزف العمليات بشعور فرح بدا واضحاً أمام الكاميرا. أول من أمس استشهدت فاطمة، وبقيت من أثرها كوفية فلسطينية كانت تحملها على كتفيها. كانت فاطمة زهرة «الميادين»، وانضمت إلى صديقتها الشهيدة فرح عمر وزميلها المصور في «الميادين» عمر ربيع المعماري اللذين استشهدا خلال معركة الإسناد.
مع استشهاد علي وفاطمة ومحمد، راح الإعلاميون الفلسطينيون يتذكرون الجرائم التي ارتكبها العدو في غزة خلال حرب الإبادة، لافتين إلى أنهم انضموا إلى قافلة الشهداء أمثال أنس الشريف وصالح الجعفراوي وحمزة الدحدوح وغيرهم من مئات الصحافيين الذين حاول العدو إطفاء كاميراتهم وكتم صوت الحقيقة.
«لبنان الكبير» يكذب ويعتذر
مع إعلان استشهاد علي شعيب وفاطمة فتوني، نشر موقع «لبنان الكبير» خبراً مسموماً يحاول تبرير الجريمة. فقد ذكر الموقع اللبناني، الذي يديره الصحافي محمد نمر، أنّ سيارة الصحافيين كانت تحتوي على صواريخ. وبعد دقائق من نشر الخبر، أعلن نمر اعتذاره عن الخبر وسحبه من الموقع، متحججاً بأنه خطأ مهني.
نجوم لبنان خارج التغطية
وسط غياب النجوم اللبنانيين عن نعي الشهيدين علي شعيب وفاطمة فتوني، برزت الممثلة السورية سلاف فواخرجي التي كانت مثالاً للفنانين الأوفياء في زمن يلتزم فيه البعض الصمت بسبب مصالحهم مع الدول المطبعة مع العدو. إذ قالت فواخرجي في تغريدة على منصة إكس: «فاطمة الحبيبة، وجع وفخر محزن رحيلك، ومبارك استشهادك أيتها البطلة. لروحك السلام يا عزيزة، ولروح أخيكِ محمد، ولروح الأخ البطل علي شعيب السلام. وليخسأ عدونا الأوحد».
«عامل»: انتهاك للقانون الدولي
أصدرت مؤسسة «عامل» بياناً أدانت فيه «الاستهداف المتكرر للصحافيين والطواقم الصحية في لبنان، في ظل التصعيد المستمر الذي يهدد حياة المدنيين ويقوّض المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني ». وأشارت إلى تسجيل أكثر من 50 هجوماً على مرافق الرعاية الصحية في لبنان وفقاً لـمنظمة الصحة العالمية، ما أدى إلى تعطّل خدمات طبية أساسية في عدد من المناطق وعرّض حياة آلاف المرضى للخطر. كما أدّت هذه الهجمات إلى استشهاد وإصابة عدد من العاملين الصحيين أثناء أداء واجبهم الإنساني. وأكدت أنّ الصحافيين والعاملين في القطاع الصحي والإنساني هم مدنيون يجب حمايتهم في جميع الظروف، وأن أي اعتداء عليهم يُعد انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني. وجدّدت «التزامها بمواصلة عملها الإنساني في مختلف المناطق اللبنانية، رغم التحديات، لضمان استمرارية تقديم الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر حاجة».

